أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

14

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

وأعظمه الشّرك والكفر والنّفاق . ومن ثمّ قال اللّه تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 1 » ، وإياه قصد بقوله : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ « 2 » . والثاني : ظلم بينه وبين الناس ، وإياه قصد بقوله تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ « 3 » . والثالث : ظلم بينه وبين نفسه ، وإياه قصد بقوله تعالى : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ « 4 » . وقوله : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ « 5 » أي لأنفسهم . قال : وكلّ هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس فإنّ الإنسان أول ما يهمّ بالظلم قد ظلم نفسه ، فإذا الظالم أبدا يبتدئ بنفسه في الظلم ، ولهذا قال في غير موضع : وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 6 » قلت : وفي قوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فائدة حسنة وهو أنّه تعالى علم أنهما يصيبان ما يصيبان فلقّنهما الاعتذار . فمن ثمّ قالا : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا « 7 » فتأيّد أنّ الظلم في قوله : مِنَ الظَّالِمِينَ أي لأنفسكما . ثم إنّ الظلم المتوسط - وهو ظلم العباد - أصعب الثلاثة من وجه وهو الافتقار إلى الخروج من مظلمة ذلك الإنسان ؛ إمّا بردّ ما غصبه وإمّا بإعلامه بما اغتابه وثلبه . وفي هذا من الصعوبة كما هو معروف عند كلّ أحد بخلاف النوعين الآخرين ؛ فإنّهما لمجرد الندم والإقلاع والعزم على عدم العود يحصل الغرض وينتفى الظّلم . قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ « 8 » أي بشرك لأنه هو الظلم المؤثر في الإيمان . ولما سمعها الصحابة تبادر فهمهم إلى مطلق الظلم فضجّوا فقال عليه الصلاة والسّلام : « ذلكم الشرك » وتلا قوله تعالى : لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 9 » فسكتوا . قوله : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً « 10 » أي لم تنقص . قوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ

--> ( 1 ) 13 / لقمان : 31 . ( 2 ) 18 / هود : 11 . ( 3 ) 42 / الشورى : 42 . ( 4 ) 32 / فاطر : 35 . ( 5 ) 35 / البقرة : 2 . ( 6 ) 117 / آل عمران : 3 . ( 7 ) 23 / الأعراف : 7 . ( 8 ) 82 / الأنعام : 6 . ( 9 ) 13 / لقمان : 31 . ( 10 ) 33 / الكهف : 18 .